الصوفية
الصوفية طريق إلى الله
تجاوز العقل عند الصوفية

يونس إريك جوفروا
من "العقلاني"، وفق تأكد الهدف الأساسي عند الصوفية، إلا وهو إدراك الولاية. حتى أن نفس الصوفي يؤكد في موضع آخر أن المعرفة الإلهية تمرّ عبر الذوق الذي يمحو دلائل العقل وشواهد النقل.
وطالما أشار متصوفة الإسلام إلى ضعف العقل البشري، وطالما أسعدهم التذكير بأن مصطلح "عقل" عند العرب يعني في الاشتقاق العقال، أو القيد. بل عمد أحد متصوفة الشام في القرن السادس عشر إلى التلاعب بالكلمات مؤكدا بأن الفقهاء ’’معقولين بعقولهم‘‘.
غير أن ذلك لا يعني أن المتصوّفة يرفضون أداة العقل، بل هم فقط يقررون لها موقعا محدودا وحادثا، مقارنة بالمطلق الذي يتطلع إليه الروحاني المسلم. وبذلك فهم يتميّزون عن علماء الظاهر في الإسلام، ويؤاخذونهم على تضييقهم لمصطلح العلم في التعريفيين التقليديين: المعقول والمنقول.
وقد ذم المتصوف الشاذلي المصري علي وفاء، الفقهاء بالعبارات التالية: «أيّها الفقيه، إنك بالمعقول غافل عن الحقيقة، ولا تنجو من المعنى الظاهر للمنقول».
ويعترض الصوفية بشكل خاص على قصور المتكلمين. لأن الكلام بالذات "ذو طبيعة بشرية، بل هو مغرق في البشرية": كذا تتلخص رؤية المتصوفة لهذا المجال. إن علم الكلام القديم يتلخّص عندهم في عدد من الظنون - وسنعود لاحقا لهذا المصطلح - ، وهم يقابلونها باليقين الذي يوفّره التأمّل. يقول علي الخوّاص الصوفيّ القاهري (تـ 939 هـ /1532 م) : «ما ثم في الفرق الإسلامية أسوأ حالا من المتكلمين في الذات بعقلهم القاصر». أليس من الغرور الصرف أن يستحيل الله إلى الإدراك البشري؟ خاصة وإن كل من تقدم من قريب أو من بعيد نحو الحقائق الإلهية تجتاحه الحيرة أمام الغور السحيق لـ «بحر التوحيد». وفي الوقت الذي ينهض فيه التوحيد بالنسبة لعامّة الناس كمجرد دليل عن الوحدة الإلهية، نجده يمثل تحقق لدني نهائي لهذا التوحيد ذاته؛ عند الخاصة من أهل التصوف.
وعند المتصوفة، يندّ السرّ الخفي الكامن في الوحدة الإلهية عن الوصف؛ حريّ بالإنسان عدم إثارته لأن إدراكه لها هو بالضرورة دون الحقيقة. ومن هنا جاءت الإجابة القاطعة والمشهورة لأبي بكر الشبلي (تـ 334 هـ/ 945 م) – أحد شيوخ متصوفة المدرسة البغدادية - التي توجه بها للسائل عن معني دقيق للتوحيد: " ويحك، من أجاب التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق فيه غافل؛ ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن وهم أنه واصل فليس له حاصل، ومن رأى أنه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فيه فهو فاقد. وكل ما ميزتموه بخيالكم وأدركتموه بعقولكم، في أتم معانيكم، فهو مصروف مردود عليكم، مُحدث مصنوع مثلكم". ويقول شيخ آخر من الطبقة الأولى إن التوحيد، في منتهاه، يُعمِي البصير، ويُحير العاقل، ويدهش الثابت.
ومع المدرسة البغدادية في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، طوّر المتصوفة مفهوم التوحيد الصوفي الذي يسمّيه الجنيد (تـ 289 هـ/ 911 م ) " توحيد الخصة". وهو ما يمثل دون شك، بديلا للنظر الكلامي، لأن أبعاده ملهمة: إن عقيدة الوحدة الإلهية أو التوحيد الظاهر تتغير بفعل المسار التلقيني لتصبح إنجازا فعليا لتلك الوحدة. لذلك فقد تمكن المتصوف المصري علي النبتيتي (تـ 917 هــ / 1511 م) من حل القضايا اللاهوتية الشائكة والتي أستلمها من مختلف مناطق الشرق الأوسط بعبارات سهلة. ألم يؤكد عبد الغني النابلسي (تـ 1143 هـ /1731م)، الشيخ الدمشقي العالم المنتمي لمدرسة ابن عربي، استحالة معرفة الوجود، بمعني معرفة الله، بالاقتصار على التأمل النظري؟
وينخرط المتصوفة، من هذه الزاوية، في المجال السني الذي يرفض الفلسفة الهيلينية، لأنها تعطي الامتياز للعقل لا للوحي: يلتقي في ذلك أهل الظاهر وأهل الباطن من السنة. كما إن المعتزلة المنكرين لمصداقية كرامات الأولياء، انطلاقا من مقدماتها العقلية، معنيين أيضا بذلك. وعندما يؤكد أبو الحسن الشاذلي على أن أهل الجدال هم ألدّ أعداء المتصوّفة والولاية، وهو يقصد المتكلمين، ومن ورائهم المعتزلة. ويؤكد المتصوفة أن بعض النقاط الكلامية الدقيقة لا يمكن حلها من دون كشف روحي؛ ومن ذلك اختصاص الفعل الإنساني بالله أم بالإنسان (مسألة كسب الأفعال)، كما نجد في المصادر أمثلة عديدة أخرى لأجوبة عن قضايا كلامية استنادا إلى الكشف وليس البرهان.
إن مجالات ما وراء العقل التي ينادي بها روحانيو الإسلام تشكّل أيضا في أعينهم علاجا لصغائر الفقهاء، يمكن أن تدفع هؤلاء لتوسيع أفق أنظارهم المنحصرة بشكل حاد في طريقة تفكير ثنائية. لكن الغزالي يؤكد "فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المُحررة، فقد ضيّق رحمة الله الواسعة". يستفاد مما سبق إذن أن تجاوز العقل الاستدلالي يمثل جزءًا من طرق المتصوفة. ويذهب عماد الدين الواسطي (تـ 711 هـ /1311 م) تلميذ ابن تيمية، إلى أن هذا التجاوز يمثل مقدمة ضرورية في طريق التتلمذ.
من أين يستمد أهل الصوفية هذه الثقة في مواجهة علماء الرسوم؟ يقدم الزهاد التصوّف، وهو لا يمكن أن يكون منهجا تجريبيا، باعتباره علم باطني تلقيني له قواعده وطرائقه الخاصة. صحيح أنه يجب الاتفاق أولا حول مصطلح "علم" الذي يتبناه - كما رأينا سابقاعلماء الظاهر. فالمتصوّفة يميّزون بين العلم الكسبي، وهو لا يزال يحمل تسمية العلم النظري، والعلم الوهبي. ويعتبر ابن عربي العلم الوهبي جوهريا، لأنه مسلك كل نبوة، وهو يقول: «النبوات كلها علوم وهبية». ويتطابق هذا العلم مع العلم اللدني، الذي يتلقاه الخضر ، معلّم الأولياء المستور، مباشرة من الله. والى جانب ابن عربي، فإن العديد من العلماء المسلمين توقفوا عند اللقاء الوارد في القرآن الكريم بين "الخضر هذه الشخصية الغيبية، والنبي موسى. كان النبي موسى يقف عند ظاهر الشريعة الإلهية الموحاة إليه، اللاحق الذي حاز القواعد الناشئة عن السلطة الإلهية التي كشفت له، بينما كان الخضر يدرك الحقيقة الجوهرية للأشياء عبر المعرفة المباشرة التي منحها الله له: فعلمه إذن يتجاوز العقل.
وتحدد هاتان المقاربتان في فهم العالم عند ابن خلدون، على سبيل المثال، أحد المعالم الأساسية في فهمه للتصوف. فالمتصوفة بالنسبة له هم ورثة الخضر؛ والدخول إلى العلم الصوفي (العلم اللدني أو الوهبي) يمر عبر كشف المعاني والإلهام. يقتصر العالم التونسي هاهنا على تقديم العقيدة العامة للتصوّف، مع الإشارة إلى أنه يورد معطى خصوصي، اعتمده من جاء بعده من العلماء. إنه يقبل بالكشف عند المتصوفة الأوائل، نعمة مؤقّتة جاءت نتيجة لعقيدة صافية (استقامة)، ولكنه يعتبر الجهد المنظم الذي تقوم به مدرسة "وحدة الوجود" المنسوبة لابن عربي غير شرعي، لإنه يريد رفع الحجاب للولوج إلى الحقائق الربانية. إن مقابلة كشف خالص الصفاء والتلقائية ببحث متعمّد عن الكشف (مجاهدة الكشف أو مكاشفة)، قد دفعت مؤلف "شفاء السائل" إلى ترويض الفرضية السهلة المتعلقة بسداد رأي الصوفيين القدامى في مواجهة شرود "المُحْدَثين"، أي ابن عربي ونظرائه.
وقد بدأنا نلحظ ابتداء من القرن الثالث عشر ميلادي أن مفاهيم الكشف والإلهام واليقين، وباختصار كل ما يتعلق بما وراء العقل، قد أصبحت تتمتع بقبول أكثر من السابق باعتبارها طرائق بحث في الحقائق الروحية. وقد اعتبر الغزالي، وهو السبّاق في هذا المجال كما في غيره، "علم المكاشفة" الوسيلة في تحقيق "العيان الذي لا يُشَكُ فيه" في هذه الحقائق. وجعل ابن تيمية الشامي (تـ 728 هـ / 1328 م) - وهو بالنسبة لكثيرين الخصم اللدود لعقائد التصوف - المكاشفة «جنس من العلم الخارق» معتمدا في ذلك على تعبير "خرق العادات". إنه يعتقد أن الشيوخ الميّالين إلى المكاشفة يصيبون طورا ويخطئون أطوارا أخرى، على غرار العلماء الذين يعتمدون التأمّل والاستدلال في عملهم الاجتهادي. ألا يبرر بذلك الإلهام في مواجهة بعض "العلماء" الذين يعتبرهم "حَرْفِيّون" أكثر من اللازم في هذه المسألة؟ ويذهب إلى حد الإقرار لهذا اليقين بنوع من السلطة في المجال القانوني، عندما تسكت المصادر المقدسة عن ذلك بالطبع. ولا يتبنى المتكلم هذا الموقف الليّن إلا لأن المتصوفة يذكّرون دائما بأن النصوص المقدسة تبقى هي المرجع الوحيد بالنسبة لهم، تماما كما الفقهاء.
ويذهب ابن خلدون، اللاحق عن الشيخ الشامي، إلى أبعد من ذلك، عندما يقوم هنا أيضا، بدور المترجم للعقيدة الصوفية. يصبح الأولياء، طبقا لهذه العقيدة، ورثة الأنبياء؛ وهذه المسألة ما فتئت تشغل بال الفقهاء. أما ابن خلدون فإنه يذهب إلى أن الأنبياء والأولياء يشتركون في إدراك الملكوت عن طريق المكاشفة. وهي عند الأوليّن جبلّة وطبيعية، بينما لا يكتسبها الآخرون إلا بالتكلف والاكتساب، وبدرجة أقل لا شك. وها هو علاء الدين البخاري أيضا (تـ 841هـ/1438 م)، الرافض لتعاليم "ابن عربي"، يقبل استخدام ’’الكشف‘‘ و’’طور ما وراء العقل‘‘ عند المتصوّفة، خارج استعمال ابن عربي ومدرسته!
بعد ذلك بزمن قليل، أسبغ العالم الصوفي الكبير جلال الدين السيوطي (تـ 911 هـ / 1505 م) على الكشف والإلهام الصفة العلمية بإدخال هذه الظواهر الروحية في ميدان الفتوى، ميدان مخصوص قبل ذلك بالفقه وعلوم الظاهر الأخرى. وفي إحدى الفتاوى ربط ضمنياً الكشف والرؤيا بمسار الوحي: وهو يقول إن كثيرا من معاصريه يرفضون حقيقة الرؤيا كما يرفضون تأويلها لأنهم يهملون الوحي والسنّة ويأخذون بالعلوم العقلية والفلسفية. عند هذا المؤلف، يأخذ العلم الروحي للمتصوّفة وضعية معصومة تماما. يصبح الإلهام الذي يصدر منها صادق في العادة، وتفترض تكشفاتهم ورؤاهم التي تمكّنهم من ولوج الحقائق الإلهية تأويلا كما الشأن بالنسبة للنصوص المقدسة.
إن النزاهة المطلقة التي يعزوها متصوّفة آخرون وعلماء من تلك الفترة للكشف، يجب أن تُراجَع، لأن المتصوّفة لا يملكون عصمة الأنبياء (infaillibilité stricto sensus)؛ ومع ذلك فهم يتمتعون بالحفظ الإلهي من الخطأ والخطيئة. إن حقيقة الكشف تتأتّى بشكل دقيق من جهة انتفاء كل حجاب بين المتصوف وبين الله. إن العقل أو التفكير المنطقي لا يمثل بالنهاية أدنى هذه الحجب، كما قال علي الخوّاص الشيخ المصري المذكور أعلاه: إن العلماء الحقيقيين لا يلتجئون لا إلى الفكر ولا إلى النظر. إنهم يغترفون مباشرة من نبع التعريف الإلهي. وهو مع ذلك يؤكد أن على المبتدئ أن يرتقي بالتفكر حتى يبلغ درجة من الكمال؛ عندها يتلقى بالكشف ما سلك إليه بالعقل.
ولم يقتصر المتصوّفة على الدعوة إلى الاعتراف بكشف هامشي في السياق الإسلامي الكبير الخاص بالمجهود التأويلي في المادة الفقهية (أي الاجتهاد)؛ إنهم رسّخوا أقدامهم في هذه الحلبة وعرضوا فيها رؤيتهم الخاصة. دفعهم ذلك – بداية – إلى تفضيل الاجتهاد عن التقليد في المجال القضائي. وفي الحقيقة فان الاجتهاد يتطابق بشكل أفضل مع تصورهم لشريعة حية تتكشّف في كل لحظة على خصوصيات المؤمن. ونحن على علم بالتحدي الذي رفعه أبو يزيد البسطامي (تـ 261 هـ/1874 م) أمام فقهاء عصره : "أخذتم علمكم عن علماء الرسوم ميتا عن ميت، بينما أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"
ولأن الصوفية يفضّلون التأويل الحيّ للشريعة، فإن ذلك يولّد عند للفقهاء الخشية من حدوث بعض التجاوزات؛ ويصبح الخطر أكثر تهديدا عندما يدعي هؤلاء المتصوفة - فوق ذلك – الاجتهاد، ليس استنادا إلى الاستدلال، بل إلى الكشف الذي يؤمنون به. إنهم يضعون تحقيق الاجتهاد في مستوى اليقين الذي توفره البصيرة، وبذلك يتجاوز تماما ظنون الفقهاء. على إن استعمال مصطلح الظن سيكتسي أهمية على درجة من الدلالة، إذا ما رجعنا إلى المعاني الافتراضية والسلبية التي يحويها في القرآن؛ حيث إن الاستنتاجات الغامضة للفقهاء تحتاج لإخضاعها لمقياس الكشف: المرحلة القصوى في تأويل الشريعة. ويشرح السيوطي بهذا الخصوص: إن رجال الرسوم لا يملكون أي وسيلة لتقدير الكشف، لأن قواعد التحليل عندهم تختلف كلية عن قواعد المتصوفة؛ إنهم مجردون من كل وسيلة في مواجهة ما يتجاوز العلوم التي اكتسبوها. ونفهم كيف أن عديد الفقهاء وعلماء الظاهر يروْن في هذا المسلك الروحي للاجتهاد – والذي يمثل بذاته مفهوما يقتصر في العادة على مجال العقل– هرطقة خالصة.
إن مختلف المعاني ما فوق العقلية التي يوظفها المتصوّفة - من كشف وإلهام ويقين - تبقى مجردة بالنسبة لنا.إلا أنها قد تؤسس لأرضية وجودية وروحانية نهائية عند بعض الصوفية: لنأْخُذَ هنا باختصار صنفان من المتصوفة المسلمين يمثّل تجاوز العقل لديهم حجر الزاوية في نوعية روحانيتهم.
*
الشيخ الأمّي، الذي يستمد اسمه من كلمة الأم، لأنه ظل كما ولدته أمه. وحالة الطفولة التي يتميّز بها تأتي من كون هذا المتصوف بقي تماما على الفطرة كما يقول ابن منظور في لسان العرب. إن "حالة الطفولة هذه " تسمح للأمّي بتلقي علم لا يرقى إليه العلماء، أو على الأقل أولئك الذين عجزوا عن تجاوز علومهم المكتسبة. والمثال الروحي لهؤلاء هو النبي الأميّ "المتلقي البكر للوحي"؛ وهو، وإن لم يتعلم الكتابة بحسب "الاصطلاح والتعلم من الناس" فقد تعلمها بـ"فتح رباني" منحه الله له. ونحن هنا نستعيد كلام الوليّ المغربي الكبير "عبد العزيز الدباغ" التي جمعها تلميذه أحمد بن مبارك في مؤلَفه الشهير "كتاب الإبريز".
من الممكن للإنسان الذي يملك "علما فطريا" أن يكون جاهلا عمليا بالقراءة والكتابة، ولكنه قبل ذلك من "لم يتلوّث قلبه بالنظر الفكري"، لذا فهو جدير بتلقّي الانفتاح العقلي المشار إليه. وإذا كان الشيخ الأمّي يجهل أحيانا المواضعات البشرية للكتابة، فذلك لأنه يغترف مباشرة من مصدر الكتابة: "اللوح المحفوظ" الذي خط فيه الله منذ الأزل مصير خلقه، ويطلَق عليه بالمناسبة "أم الكتاب". فالبسطامي يؤكد أنه هو ذلك اللوح، و كان الصوفي علي الخوّاص - وهو مثال الشيخ الأمّي في مصر العصر المملوكي - يستمد كشفه من هذا اللوح نفسه.
وأن يكون المتصوف الأمّي جاهل تماما، أو أن يكتب بالإلهام، فإن بريق تعابيره نادرا ما تتماهى في القوانين العادية للغة البشر. إن لغته المكتوبة والمنطوقة ليست مفهومة دائما لدى عموم الناس، لا في محتواها و لا في شكلها. وعلاوة على ذلك، فإن الشيخ الأمّي، وبفضل فطرته، يلج إلى عالم اللغة-الرحم، المعروفة بالسريانية؛ وهي لغة بدائية قيل إن آدم عليه السلام تحدث بها.
وبوجه عام فإن لغة المجاذيب هي صفة هؤلاء المتصوفة المخصوصين الذي كشف لنا تاريخ الصوفيّة عن بعض نماذج منها. وقد أظهر علماء الظاهر تململهم تجاه ظواهر مماثلة، ولكن شكوكهم الظاهرة لا تخفي الانبهار الذي يبعثه هؤلاء الأميين فيهم.
*
ويشكّل "المجذوب" صورة رئيسية أخرى من حالات ما فوق العقل عند الصوفية. ويشترك "المجذوب" مع "الشيخ الأمي" في العديد من الصفات، مثل "الحالة الطفولية"، والولوج إلى عالم اللغة الأم، والميل الشديد إلى الكشف. ويسمّى المجذوب كذلك؛ لأن عقله منجذب إلى الله، وغالبا ما يحدث ذلك بشكل مباغت. ومن هنا يأتي اللبس في الثقافة الإسلامية بين "المجنون" و"المجذوب". لذلك فإن كتاب "عقلاء المجانين" لأبي القاسم النيسبوري يحتوي من عنوانه على تناقض مثير للانتباه. يدفع بنا هذا الكتاب في قلب عالم الجنون، بيد أن المجانين هنا يملكون تجربتهم الخاصة مع العقل، الذي يسمى عادة بالتمييز أو بالنظر الصائب. والأجدر بنا أن نستعمل هنا "العقل" لأن كتاب النيسابوري يتعرض لكبار الروحانيين. وإذا كان أويس القرني (تـ 31 هـ / 657 م) هو أول "مجذوب" في الإسلام، فإننا نجد الشبلي الذي تعرضنا له أعلاه، يمدح في هذا الكتاب جنون أويس بالذات أمام تلاميذه (العقلاء). ونجد أيضا أبا يزيد البسطامي يعترف باجتيازه لثلاث درجات من الجنون، والتي ترتبط في الواقع بالمراحل النهائية لطريق السلوك.
ولم يدع ابن عربي أي مجال للشك. فالمجذوب الحقيقي بالنسبة له ليس معتوها: بل إن عقله محبوس وموقوف لله، وهو يعيش حالة استغراق تام في التأمل الإلهي. ويؤكد ابن خلدون بدوره على أن النفس الناطقة "للمجذوب" لا تضمحل تماما، على عكس المجنون. ويصنف صاحب المقدمة "المجاذيب" في قائمة المتصوّفة، ويعترف بقدرتهم على بلوغ مختلف مقامات الولاية.
ما يميز "المجذوب" إذا هو عدم اكتراثه للأعراف الاجتماعية والدينية. وتُجمِعُ كل كتب التراجم على أن هذه الشخصية تتمتع بغرابة تتجلى خاصة في المظهر الجسدي. وينشئُ الجذب قطيعة مع حالة الوعي الطبيعي، وبالتالي مع الأعراف الثقافية؛ ومن المألوف أن يعمد أحد هؤلاء إلى التعري الكامل أو الاكتفاء بتغطية عورته. إن هذا العري يعبّر عن الفطرة، والبراءة الفردوسية التي تحدثنا عنها أعلاه في حالة "الأمّي". وبشكل عام، فإن المجذوب لا يعير أي انتباه لملابسه، ويحافظ على نفس الملابس صيف شتاء، حتى تهرأ !
وخلافا لغيره من أنواع التصوف الأخرى، فإن المجذوب كثيرا ما يتجاوز الشريعة دون أن يتعرض للعقاب. ويعتبره العلماء غير مكلف، تماما كَمَا الأطفال والمجانين، بل أنهم يحرصون على زيارته، ويلتمسون من فيه الحكمة، وذلك لأن التحدّيات التي يلقيها المجذوب في وجه المسلمين مشحونة بالمعاني: كما إن التصرفات المثيرة التي يقومون بها تهدف بشكل واضح إلى إحداث الصدمة لديهم وهزّ الوعي السليم للمؤمن العادي، من أجل دفع هذا الأخير إلى رفع الحجاب عما يسمّيه "العقل".
إن التدبر في العالم اللامرئي الذي يستغرق فيه المجذوب يجعل منه "عرّافا" (يخترق نظرُهُ الحجب) كما قال ريمبو الشاعر الفرنسي الكبير. لذلك فإن أحد "المجاذيب" الذين التقاهم ابن عربي، رمى جمعا غفيرا كان يخاطبه بالعمى، لأنهم كانوا يعتقدون أن الأعمدة هي التي تمسك السقف، في حين كان يرى من يمسك بالسقف هم رجالا يسبّحون الله. ولأنه محجوب عن العامة، فإن عالم الغيب يبقى مجهولا، أو ما لا تبلغه المعرفة، وإدراك الناس.
ودون أن يكونوا تماما من أصحاب الشطحات، فإن جميع شيوخ الصوفيّة الكبار مرّوا تقريبا بفترات عرفت فيها عقولهم الافتتان. يقع الحديث هنا عن "الحال" الذي يخترق على المرء كيانه بعنف ودون توقع. وعند عودته إلى التمييز، يبادر المجذوب الى صياغة تجربته ليستفيد منها الآخرون. لم تكن التجربة الصوفية إذا تجربة نظرية: فهي تقوم على الذوق، وعلى التطبيق العملي أثناء التتلمذ. فهل نستطيع بدورنا اعتبار التصوف، المستند بنفس القدر إلى النشوة كما الرصانة، وإلى الشطح كما ضبط نفس، علمًا تجريبيًا يصوّر بدقّة عوالم ما وراء العقل؟

المصدر: موقع العلم والدين في الاسلام
http://www.science-islam.net/article.php3?id_article=650&var_recherche=%D8%B5%D9%88%D9%81%D9%8A&lang=ar

 

 



Add a Comment



Add a Comment

<<Home