الصوفية
الصوفية طريق إلى الله
مقالات في الصوفية والتصوف

الأزهر والتصوف   
للأستاذ الكبير الشيخ محمد عبد المنعم خفاجي المدرس بكلية اللغة العربية
عندما نقول : الأزهر والتصوف نرجع إلى ماض كريم مشرق ، ونعود إلى حاضر طاهر مكافح ، ونتطلع إلى مستقبل سام رفيع بإذن الله .
ونحن عندما نقول : الأزهر والتصوف إنما نقول : الأزهر والإسلام في أرفع درجاته وأسمى منازله وأكرم روحانياته فليس بين التصوف والإسلام تباين ولا بين مدلوليها فروق فالتصوف هو روح الإسلام وهو الروحية المطمئنة التي تسمو بعلاقة الإنسان بالله وترفع بها عن أدران المادية العمياء وتغمر أضواؤها جوارحه ومشاعره وخطرات نفسه .
والتصوف هو الكمال الروحي بأجلى معانيه وهو التطهير الخلقي بأوسع مدلولاته وهو محاولة التشبه بالأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وهو الارتفاع بالإنسان من حضيض الظلام إلى قمم النور ، وهو التوحيد الكامل  والإيمان المطلق ومحاربة الشرك في كل خطرة من خطرات الإنسان والتفاتة من التفاتاته .
أرأيت الإنسان في الحياة وكيف يسير في صحراء ليست لها حدود ويتنقل على مر السنين بين الأغلال والقيود أليس هو في حاجة إلى معالم تكشف له الطريق وتوضح أمامه الهدف وتجدد في نفسه الأمل وتقوي في روحه العزم على متابعة السير وأليس هو في حاجة إلى أمداد تعينه وتقويه وتطهره وتزكيه وإلى من يحرر نفسه دائماً من أغلال الخوف وأوهام العبودية وطواغيت الحياة .

إن العقيدة هي هذا المنقذ والمطهر والمحرر وإن التصوف هو الذي يملك زمام العقيدة حتى لا تضعف ولا تهن ولا تتبدل حقائقها ولا تفتر أسبابها أمام تطور الحياة وخطوبها وأحداثها وعندما يمشي المسلم الحق في مهامه هذه الحياة ومعه هذا النور ، يجد تلك الصحراء القاحلة قد استحالت إلى جنة وارفة الظلال وإلى واحات ممدودة متصلة تخفف عن نفسه ما أصابها من لفح الهجير وشقاء العيش ووطأة الأحداث وتمد روحه بأسمى معاني القوة والسمو والعظمة في معركة الحياة .
هكذا نفهم نحن في الأزهر حقيقة التصوف وهكذا نؤمن به وننظر إليه مدافعين عنه معتقدين أنه أدى للمسلمين أجل الخدمات وأن له في حياتهم أعظم النتائج والآثار .
وهل يمكن أن ننسى أن أعلام الصوفية في العالم الإسلامي كانوا دعاة التحرر وأبطال الثورات وقادة الإصلاح وحملة مبادئ السمو النفسي والتهذيب الخلقي وهم الذين كانوا يداوون نفوس المسلمين من أمراضها على نمط أرفع مما تسير عليه اليوم المستشفيات النفسية المنتشرة في أوربا لقد كان الصوفيون خلال عصور التاريخ الإسلامي هم أطباء الأرواح ، والدواء الناجح الذي نعالج به أزمات النفس ومشكلات العاطفة وحدة انفعال المشاعر وهم فوق ذلك الذين نشروا الإسلام في نائي الأصقاع وحملوا رسالته إلى مجهول البقاع وهم الذين خدموا الفكر الإسلامي ونشروا الحقيقة المحمدية بيضاء ناصعة في كل مكان وقد كان منهم في كل عصر أعلام خلدت الأيام لهم أروع الصفحات وروى التاريخ عنهم أمجد الذكريات وظلوا بمآثرهم وآثارهم قدوة رفيعة للمسلمين طيلة متعاقب الحقب والأجيال ومواقف العز بن عبد السلام وأشباهه خالدة مأثورة .
ولم يكن زعماء التصوف الإسلامي في شتى العصور يفهمونه على أنه ادعاء الكرامة وحب إظهار الولاية ولا على أنه سبب لمجد أو ذكر أو ثراء إنما كانوا يجعلونه لله خالصاً ويؤمنون بأنه رسالة ومبادئ ودعوة رفيعة تستند إلى دعوة الإسلام ومبادئه الخالدة وكانوا يعملون على نشر الروحية الصافية وإذاعتها بين الناس وكان لعلماء الأزهر الشريف في فهم فلسفة التصوف وشرحها ونشرها في المحيط الإسلامي مقام محمود وذلك منذ أن أنشئ الأزهر في السابع من رمضان عام 361 هـ الثاني والعشرون من نوفمبر عام 972م في عهد الدولة الفاطمية حتى اليوم .
وبرعاية الأزهر أنشئت في مصر دور ومدارس ضخمة للصوفية فأقيمت خانقاه قوصون عام 736هـ وخانقاه البيبرسية التي بناها بيبرس وكانت أول دار أنشئت في مصر على هذا النمط خانقاه سعيد السعداء التي وقفها صلاح الدين الأيوبي على الصوفية ووليها شيوخ عديدون من أعلام العلماء والفقهاء الصالحين .
وكان كتاب الإحياء للإمام الغزالي من الكتب التي كانت تقرأ من قديم في الأزهر وقد شاهدت أستاذنا العلامة الداعية الصوفي المرحوم الشيخ عبد الحليم قادوم الأستاذ في كلية اللغة العربية سابقاً يقرؤه على مريديه في منزله بمنشية الصدر في ندوته الصوفية الأسبوعية التي كان يقيمها وكانت حكم ابن عطاء الله السكندري يدرسها كبار العلماء في الأزهر الشريف وشاهدنا المرحوم الإمام المجتهد العلامة المفتي الشيخ محمد بخيت المطيعي المتوفى عام 1355هـ يدرسها للجمهور بعد صلاة العصر من أيام شهر رمضان في مسجد الإمام الحسين
/*/*/*/*/*/*/*/*/

أئمة الصوفية عند الغزالي
للأستاذ  الشريف السيد محمد بن أحمد الوزاني المنفلوطي
لقد وصف حجة الإسـلام إمامنا الغزالي رضي الله عنه علماء الصوفية من السلف الصالح وشدة استمساكهم بطريق الصوفية واجتهادهم في عبادة ربهم وقوة يقينهم وصبرهم مع تمنيه أن يلحق بهم تواضعاً منه رضي الله عنه  فقال : الذي يدلك على بصيرة علماء الآخرة العارفين بالله أنهم بنو أمرهم على التوكل والتفرغ لعبادة الله وقطع العلائق كلها فكم صنفوا من كتاب وكم أوصوا بوصية وقد قيض الله لهم وكم أوصوا بوصية وقد قيض الله لهـم أعوانا من السادة وأصحابا من الصالحين حتى يتمشى لهم من الخير المحض ما لم يتمش لطائفة مـن طوائـف الأئمـة إلا زهاد الكرامية فإنهم بنوا مذاهبهم علـى أصول غير مستقيمة ومـا زلنا أعزة مادمنا على منهاج أئمتنا يخرج من معابدنا ومدارسنا كـل حين إمام في العلم كالأستاذ أبي اسحق وأبي حامد وأبي الطيب وابن فورك وشيخنا الإمام وأمثالهم من السادة .
وإما صديق في العبادة كأبي اسحق الشيرازي وأبي سعيد الصوفي ونصر المقدسي وغيرهم ممن فاق الأمة علما وزهداً حتى ضعفت القلوب من بعضنا وتلطخنا بشيء من العلائق التي ضررها أكثر من نفعها فتراجعت الأمور وتقاعدت الهمم وطارت البركات وزالت اللـذات والحلاوات فلا يكاد يصفو لأحد عبادة أو يحصل له علم وحقيقة وأن اللمعة التي تظهر منا الآن ليست إلا ممن بقي على منهاج الآن ليست إلا ممن بقي على منهاج أسلافنا وشيوخنا المتقدمين كالحارث المحاسبي ومحمد بن ادريس الشافعي والمزني وحرمك وغيرهم من أئمة الدين رحمهم الله أجمعين فهم كما قـال القائـل:
~ وما صحبـوا الأيــــام إلا تعفـفـا   وما وجـدوا مـن حـب سيدهـم بـدا ~ أفضــل صديقـون أهـل ولـايــة   إلى سيد السادات قـد جعلـوا القصـدا ~ تحـلـل عقد الصبـر من كل صابـر   وما حلت الأيام من عقدهـم عقــدا
عن مجلة المسلم سنة 1377هـ بتصرف

/*/*/*/*/*/*/*/*/
التصوف هو التقوى   
للـأخ الصحافي الصالح السيد محمد رضوان أحمد عضـو العشـيرة
 
حد التصوف والصوفي سادتنا العلماء بما ينيف على مائة حد ، وفي أكثرها طول أو إبهام ، عن قصد أو عن غير قصد ، وقد كثر الكلام في هذه الأيام عن التصوف والصوفي ، بمناسبة دعوة المؤتمر الصوفي الإسلامي العالمي ، الذي دعا إليه الصوفي المجدد الورع السيد محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة المحمدية ، وإنما استبحت لنفسي الخوض في خضم تضارب الأفهام في هذا الميدان لأمرين :
الأول : إن في حلبة سباق الكلام من هو أعلم مني وأقدر .
الثاني : رغبتي عن الجدل في أمر واضح عندي غاية الوضوح .
غير أنني رأيت عرض هذا الواضح على الإخوان ، عسى أن يكونوا قد رأوا أوضح مما رأيت فننتفع جميعاً ، فلكل فهمه وإدراكه وإلهامه .
 
التصوف هو التقوى :
فالتصوف أصلاً طلب الصفاء من كل ما يحول بين المرء وربه ، ثم استعمل في الصفاء نفسه ، فمتى أطلق التصوف انصرف إلى الصفاء الروحي الذي انمحت معه كثافة البشرية الحاجبة عن مشاهدة الذات العلية ... فارتقت به الروح إلى منازل الأرواح المنطلقة من حبوس الأجسام ، فهي ترى ما لا نرى ، وتسمع ما لا نسمع ، وتلمس ما لا نلمس ، وتشافه ما لا نشافه ...
هذا الصفاء هو المعبر عنه في الشريعة والكتاب الكريم بالتقوى ، من باب تسمية الشيء باسم سببه ، فالتصوف هو التقوى ، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز : ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾{البقرة:197} . 
ولذلك لا نجد كلمة { التقوى } أو كلمة تصرفت من مادتها في القرآن الكريم ، إلا مع ذكر الأمر أو النهي أو ذكر ما أعد الله لفاعلها أو لتاركها من جزاء ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾{البقرة:187} ، وقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾{لقمان:33} ، وقوله عز شأنه : ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾{الطلاق:2/3} ، وقوله : ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً{31} حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً{32} ﴾{النبأ} الآيات ، وقوله : ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾{النساء:128} ، وقوله : ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ﴾{النساء:131} ، وقوله : ﴿ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾{المائدة:8} .
فالتصوف كما ترى في هذه الآيات هو عين التقوى ، والتقوى كلمة تجمع مع قلة حروفها خيري الدنيا والآخرة أمراً ونهياً ، وهي مرءاة الإيمان الحق فعلاً وقولاً ، ظاهراً وباطناً .
 
الصوفي هو التقي :
والصوفي : هو التقي ، والتقي هو : من أدى المأمورات ، واجتنب المنهيات واشتغل بالله عما عداه ، لا يرى ما في الدنيا وإن رآه ما في الدنيا ، هو من عرف سيده ، فأخلص في خدمته ، فينظر الله إليه نظرة صرفته عما سواه ، فهو دائم المراقبة دائب العمل ، شديد الوجل ، يحاسب نفسه عما قال أو فعل الخلق أمامه سواء ، برهم وفاجرهم ، عالمهم وجاهلهم ، ناطقهم وأعجمهم ، يستغفر للعاصي ، ويدعو للمبتلى ، ويحنو على الضعيف ، ويحب للناس ما يحب لنفسه ، بل فوق ما يحب لنفسه ، " يقيم الأدب مع الله في جميع الجهات " هو الولي المراد بقوله تعالى : ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾{يونس:62} وإليك مثلاً يدلك على هؤلاء الأولياء . 
 
أخلاق الأولياء :
دخل لص بيت السيدة رابعة العدوية ليلاً فلم يجد فيه ما يسرق ، فاتجه إلى الخروج وهي تلحظه ، فنادته وقالت له : أتخرج هكذا بدون شيء ؟ قال : لم أجد في البيت شيئاً ، فقالت له : تقدم وتوضأ من هذا الإبريق وادخل هذا البيت وصل لله ركعتين حتى لا تخرج بدون فائدة ، ففعل ، ووجد للصلاة حلاوة ، فاستمر يصلي حتى الصباح ، حيث تاب وأخلص في التوبة فكان من المقبولين .
 
وسرق لص حذاء الشيخ زكريا الأنصاري ـ على ما أذكر ـ وولى هارباً ، فتبعه الشيخ وهو يقول : وهبته لك ، هل قبلت ، وهبته لك ، هل قبلت { خوفاً عليه من عذاب الله } .
هؤلاء هم الصوفية ، وهذه هي أفعالهم ، يعتدى عليهم فلا يكون همهم إلا نجاة المعتدي من عذاب الله ! . فهل هؤلاء غير الصوفية ، أي الأولياء .
فمن كان من هذا النوع فهو صوفي وإلا فهو دعي يطلب المال أو الجاه ، أو هما معاً ، فهو عبد الدنيا ، عبد الشيطان ، عبد الهوى ، فاحذروه فإنه شرك الشر وحبالة الشيطان .
عن مجلة المسلم سنة 1376هـ بتصرف        
/*/*/*/*/*/*/*/*/

المنتسبون إلى التصوف قسمان   
قال الإمام كمال الدين أبو الفضل جعفر بن ثعلب الأدفوي المصري رحمه الله تعالى : المنتسبون إلى التصوف قسمان : 1-  قسم اتبعوا ما جاء في الشرع ، ووقفوا مع ما قاله العلماء السنة من أهل الأصل وأرباب الفرع ، فهم الذين يستحقون التعظيم ، ويستوجبون التبجيل والتكريم .
2-  وقسم حصل لهم غُلو في طريق ابتدعوها وعقائد اخترعوها ، ووقفوا مع ألفاظٍ مزخرفة جمعوها ، فأُدخلوا في جملة الكفار ، وحُكم عليهم باستحقاق النار .
3-  وقسم غلب عليهم الجهل والوقوف مع ما أُحدث من رسوم ، وتركوا النظر في المعارف والعوارف والعلوم فاستحوذ عليهم الشيطان ، وغلب عليهم الطغيان والعصيان ، فاحتفلوا بالرقص والسماع والشهوات التي تثير الطباع ، لا يقتفون شرعاً ، ولا يجتنبون أمراً بِدعاً ، فهم الأخسرون أعمالاً والذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .
/*/*/*/*/*/*/*/*/

كتاب المُوفي بمعرفة التصوف والصوفي    
أهل التصوف قسمان   
اعلم أن أهل التصوف قسمان فمنهم من يقتدى به وهم أهل التمكين من الأئمة المرشدين المجتهدين ومنهم من لا يقتدى به وهم أصحاب الأحوال وأهل التلوين الذين تسلم لهم أحوالهم ما لم تكن معارضة للشريعة المطهرة فإنها تنكر عليهم حينئذٍ.
وكل ما كان موافقاً لصوفية السلف قبلناه وما كان مخالفاً رددناه والاجتهاد المحدث إن دفعت إليه ضرورة أو مصلحة فإن كان يتوافق مع زماننا أخذنا به وإلا تركناه لزمن الموافقة وينبغي تقديم ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد النبوة على اجتهادت الصوفية المحدثة، وبما أن المشهور من منهج الصوفية الورع والاحتياط فإذا تعارض ما هم عليه مع قول جمهور الفقهاء قدموا قول الفقهاء وعملوا به.
وأئمة الصوفية هم أئمة الجهاد وقادته على ممر التاريخ والجهاد عند أهل الحق تحت راية ولي الأمر وبإذنه فيهم لا ينزعون يداً من طاعة ولا يخرجون عن بيعة سلطان زمانهم قيد شبر ولا يغمسون أيديهم في فتنة بين المسلمين لا بالقول ولا بالفعل ولا بالإقرار وإذا ندبهم الحاكم العام للجهاد واستنفرهم لقتال أعداء المسلمين امتثلوا أمره وقاتلوا تحت رايته ولو كان فاسقاً أو جائراً لأن الحق لا يترك لأهواء النفوس، ونحن قوم لا نترك حقاً لوجود باطل.
والصوفية أيضاً أئمة العلم والفكر والتجديد فهم يحفظون على المسلمين عقائدهم وأفكارهم وسلوكهم من أنواع الغزو الذي يستهدفهم ويعادون الانهزامية والتقوقع الذي ابتلي به التصوف في عصر الانحطاط والتخلف ولابد للصوفي المجدد أن يكون له دور في إحياء رسالة المسجد والدعوة إلى الله بالإمامة والخطابة والوعظ والتدريس والتضحية ولابد أن يكون أداؤه للرسالة وقيامه بالدعوة خالصاً لوجه الله تعالى وعليه أن يكتسب لكفايته الدنيوية بالتجارة والصناعة والحرفة وغيرها إلا إن وجد من يعينه على كفايته فإنه يتفرغ لواجبات الدعوة والعلم إذا ترتب عليه بالكسب تعطيلها.
واعلم أننا نرد جملة وتفصيلاً ما شذ به بعض الصوفية من عقائد زائفة خالفوا فيها الجمهور وخرجوا فيها عن الإجماع ولا نتكلف تأويلها كمسألة المعية بالذات ومسألة انقلاب عذاب الكفار إلى نعيم في صورة عذاب ومسألة الجبر المحض باطناً ومسألة عموم الرسالة في غير البشر من الحيوانات والحشرات ومسألة بقاء النبوة واستمرارها باطناً في الوراث وتسمية ذلك نبوة الإلهام ومسألة جواز رؤية الله تعالى بالبصيرة يقظة في الدنيا ومسألة وجود عباد لهم من العلم اللدني ما يعطلون به الشريعة وأحكامها وأنهم إذا وصلوا إليه رفعت عنهم التكاليف ومسألة وحدة الوجود الواجب والممكن المسمى عندهم بالثبوت وأنها شيء واحد عيناً، وقد جاء في الجزء الثامن من كتاب المواقف للإيجي مع شرحه للسيد الشريف في المقصد الخامس ما نصه: ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكر الحلول والاتحاد ويقول: لا حلول ولا اتحاد إذ كل ذلك يشعر بالغيرية ونحن لا نقول بها بل نقول: ليس في دار الوجود غيره ديّار، وهذا العذر أشد قبحاً وبطلاناً من ذلك الجزم إذ يلزم تلك المخالطة التي لا يجترئ على القول بها عاقل ولا مميّز أدنى تمييز ا.هـ.
وإذا ترجح لدى مسلم الالتزام بمنهج تربوي مع شيخ وارث مأذون اجتمعت فيه الشروط والكفاءات العلمية والخلقية وأوتي أساليب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ووجد المسلم الانتفاع والترقي على يديه وانطلاقاً في الدعوة وعمومها فليلزمه وليبايعه إن أحب والبيعة غير ملزمة كما نص على ذلك الإمام السيوطي في الحاوي للفتاوي وهي مشابهة للأخوة الخاصة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وليكن له عوناً بشرط ألا يطعن بمناهج الآخرين ومؤسسيها والقائمين على نشرها والدعوة إليها.
ولا يعتبر من تحول من شيخ وارث إلى آخر ناقضاً للعهد لأنه لم ينقض حقيقة عهده مع الله عز وجل فالانتماء في الطريق ليس للأشخاص ولكن إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وجميع وراثه وأحبابه.
والقول بعدم جواز التحول من شيخ وارث إلى آخر اجتهاد وافق مصلحة ترجحت لدى الشيوخ في عصر مضى آتت ثمارها تخلقاً وتحققاً والحق أننا في عصرنا هذا نحتاج إلى تجديد هذا الاجتهاد بما يعود على المسلمين كلهم بالوحدة والمنهجية الفكرية والسلوكية التي كانت ثمرة من ثمرات الاجتهاد السابق وغاية من غاياته ونبذ بذور التفرقة والعداوة التي أورثها سوء فهم الاجتهاد السابق تحت ستار المشيخة والإرادة أو تحت ستار ما تعورف عليه من قواعد وضعية لم ترد فيها النصوص وأثبتت التجارب المنهجية فشلها وعدم صلاحيتها للأمة الإسلامية لما فيها من حرج وتضييق.
والوراث المأذون من اجتمعت فيه المعرفة بالله تعالى علماً وذوقاً والعلم بالأحكام الشرعية بإجازة علماء عصره بالتربية والإرشاد ، والإجازة العلمية الحديثية المقرونة لصحبة العلماء والعارفين وفهم كلامهم بوجه شرعي عليها المعول إذ اندرج في طرق المحدثين وبالأسانيد المسلسلة جميع المشارب الصوفية التي أجاز بها المحدثون من وصلت إليه السلسلة بعموم الإجازة لأن سلسلة المحدثين أثبت في الاتصال من سلسلة الصوفية التي لا يخلو طريق منها من انقطاع ظاهر والتي تنتهي عند السلف الصالح ولا يصح رفع شيء منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو وقفه على أحد أصحابه المكرمين رضوان الله عليهم إلا من طريق الهمة الباطنة وهي ليست من طرق الاتصال.
والإذن حقيقة من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يلهمه الله تعالى الوارث الملهم المحدث أو يكون باجتهاد منه وقد قال الإمام ابن عطاء في حكمه: من أُذن له بالتعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجُلِّيت إليهم إشارته، وأنا أنصح المسلم بصحبة علماء التصوف وعدم الدخول تحت عهد وبيعة يؤدي إلى معاداة الآخرين وبغضهم ومقاطعتهم، بل الأخوة الإسلامية العامة والقيام بحقوقها مقدمة على تلك البيعة ما يترتب عليها من مفاسد، وقد قال الأصوليون: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وليقرأ المسلم سيرة علماء السلف الصالح وليحاول التشبه بهم والتخلق بأخلاقهم مع المحبة لجميعهم وجميع من انتسب إليهم وعدم الطعن وعدم التنقيص لواحد منهم فذلك أسلم لدينه وآخرته.
وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين 

/*/*/*/*/*/*/*/*/ 
في ميادين الغزو والجهاد المقدس   
لـلأخ الكاتب الصوفي السيد محمد بن أحمد الوزانـي
لقد حبب الله الجهاد والغزو للمسلمين ، لأن فيه عزهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة فهذا سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وقد أوفت سنه على التسعين ، يدأب على طلب الشهادة من الله في ميدان القتال وهو على شط الفرات في حرب { صفين } بالعراق ويقول : ﴿ اللهم إنه لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل ، فأتردى فأسقط فعلت ، اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقي نفسي في هذا الماء فأغرق نفسي فعلت ، فإني لا أقاتل إلا أن أريد وجهك ، وأنا أرجو أن لا تخيبني وأنا أريد وجهك ﴾ ،
وتلك كانت همة الصحابة رواد الصوفية الأولى ولذلك كانت هذه الأرض وما عليها مسخرة لهم .
روي عن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه وهو الصحابي المستجاب الدعوة ، أنه قاد سرية من الجنود في خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه ، فاعترضه مع أصحابه بحر عظيم في طريقهم فدعا بهذه الدعوات المباركات : ﴿ يا علي يا حكيم ، يا علي يا عظيم ، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك ، اللهم اجعل لنا إليهم سبيلاً ﴾ فيبس لهم البحر بالجزر من تحت أقدامهم حتى كاد يرى الغبار من حوافر خيلهم .
ووقع مثل هذا أيضاً لأبي مسلم الخولاني وهو من خيار التابعين ، فإنه لما غزا الروم مع جيشه { وكان أميراً عليه } مروا بنهر متسع بينهم وبين العدو ، فقال : اللهم قد أجزت بني إسرائيل البحر ، وإنا عبادك وفي سبيلك فأجزنا هذا النهر اليوم ثم قال لجنوده " اعبروا باسم الله " { فكان الجزر } وعبروا ، فلم يصل الماء بطون خيولهم !!
لقد عرف الصوفية من السلف الصالح معنى هذا الجهاد ومنزلته في الإسلام فبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل مرضاة خالقهم ، فكما أنهم كانوا رهباناً بالليل يتضرعون إلى ربهم ويقومون ليلهم عابدين متبتلين كذلك كانوا فرساناً أبطالاً يضربون بسيوفهم أهل الكفر والفساد ، لأنهم فقهوا قول سيد الغزاة والمجاهدين صلى الله عليه وسلم : ﴿ من مات ولم يغز ، ولم تحدثه نفسه بغزو مات ميتة جاهلية ﴾ وكما أنهم جاهدوا النفوس وهذبوا الأرواح ونشروا الإسلام في قلوب عباد الله وأشاعوا الرحمة والربانية في هذه الحياة وبثوا الثقافة الروحية والفضائل الإنسانية في مجتمعاتهم ، كذلك ذهبوا إلى ميادين الجهاد بأجسامهم وأبدانهم لينالوا شرف الشهداء مع النبيين .
ولقد حدثنا التاريخ أن الإمام الشافعي رضي الله عنه ، لما قدم مصر في أوائل القرن الثالث كان يرابط بثغر الإسكندرية وبقي سبعة أيام تجاه العدو يراقبه لئلا يهاجم المسلمين ويباغت الوطن .
وكان العالم الزاهد محمد بن أبي حاتم الوراق يصاحب الإمام محمد بن اسماعيل البخاري صاحب الصحيح في أسفاره ويؤاخيه ، مرابطين معاً في ثغر من ثغور المسلمين يقال له ﴿ فرير ﴾ .
ومرة استلقى البخاري على ظهره فقال له ابن أبي حاتم سمعتك يوماً تقول : إني ما أتيت شيئاً بغير نية قط منذ عقلت ! فأي نية لك في هذا الاستلقاء ؟ فيجيبه البخاري رضي الله عنه أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم ، وهذا ثغر من ثغور الإسلام خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو ، فأحببت أن أستريح لآخذ الأهبة للقتال والحرب ، فإن باغتنا العدو كان بنا شدة وقوة .
عن مجلة المسلم سنة 1376هـ بتصرف  
/*/*/*/*/*/*/*/*/
مختصر لواقح الأنوار للإمام الشعراني   
1- أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : نكرم العلماء ونجلهم ونوقرهم ، ولا نرى لنا قدرة على مكافأتهم ولو أعطيناهم جميع ما نملك أو خدمناهم العمر كله .
وقد بلغنا عن الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه دعاه يوما شيخه الكمال الإربلي رحمه الله تعالى ليأكل معه ، فقال : يا سيدي أعفني من ذلك فإن لي عذراً شرعياً فتركه ، فسأله بعض إخوانه ما ذلك العذر ؟ فقال : أخاف أن تسبق عين شيخي إلى لقمة فآكلها وأنا لا أشعر .
وكان رضي الله عنه إذا خرج للدرس ليقرأ على شيخه يتصدق عنه في الطريق بما تيسر ويقول : اللهم استر عني عيب معلمي حتى لا تقع عيني له على نقيصة .
فينبغي للطالب أن يخاطب شيخه بالإجلال والإطراق وغض البصر كما يخاطب الملوك ، ولا يجادله قط .
فإن الواجب على كل طالب أن يحفظ نفسه عن كل ما يغير خاطر شيخه في غيبته وحضوره .
وروى الأئمة أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه مرفوعاً : ﴿ ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ﴾ وفي رواية للأئمة أحمد والطبراني والحاكم مرفوعاً : ﴿ ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ﴾ وروى الطبراني مرفوعاً : ﴿ ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق ، ذو الشيبة في الإسلام ، وذو العلم ، والإمام المقسط ﴾ .
 
2-  أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لم نعمل بعلمنا أن ندل عليه من يعمل به من المسلمين وسمعت سيدي علياً الخواص رحمه الله تعالى يقول : يتعين على كل من لم يعمل بعلمه أن يعلمه الناس ولمن يرجو عمله به .
وسمعته يقول : ما ثم عالم إلا وهو يعمل بعلمه ولو بوجه من الوجوه ما دام عقله حاضراً ، ولا يشترط في كون الإنسان عاملاً بعلمه عدم وقوعه في معصية كما يتبادر إلى الأذهان ، وإنما الشرط عدم إصراره على الذنب ، أو عدم إصراره على الإصرار وهكذا .
وروى مسلم وأبو داود والترمذي مرفوعاً : ﴿ من دل على خير فله مثل أجر فاعله أو قال عامله ﴾
وروى مسلم وغيره مرفوعاً : ﴿ من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ﴾ .
 
3- أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : نكرم المساجد ولا نقضي الحاجة قريباً من أبوابها في غير الأمكنة المعدة لذلك تعظيماً وإجلالاً لله تعالى .
وكان سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى إذا أراد أن يدخل المسجد يتطهر خارجه أو في بيته ولا يدخل قط محدثاً .
وقام له شخص مرة في المسجد فزجره زجرا شديداً وقال : إن العبد إذا عُظم في حضرة الله تعالى ذاب كما يذوب الرصاص حياء من الله تعالى أن يشاركه في صورة التعظيم والكبرياء .
 
4- أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : نحافظ على دوام الوضوء وعلى تجديده لنكون مستعدين لقبول الواردات الإلهية ، فإن صدقته تعالى على عباده لا تنقطع ليلاً ولا نهاراً .
والعلماء والصالحون أولى بالمواظبة على الطهارة .
ورأيت سيدي محمد بن عنان رحمه الله تعالى إذا كان في الخلاء وأبطأ عنه ماء الوضوء ضرب بيده على الحائط وتيمم حتى لا يمكث بلا طهارة وإن لم تجز له الصلاة بذلك التيمم .
وقد رأيت الشيخ تاج الدين الذاكر رحمه الله تعالى كلما يصلي بوضوئه صلاةً ما يجدد الوضوء ، وكان سيدي محمد بن عنان يقلل الأكل حتى لا يدخل الخلاء إلا قليلاً ، وكذلك بلغنا عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى ، والإمام مالك رضي الله عنه فكان يأكل كل ثلاثة أيام أكلة واحدة ويقول : أستحي من ترددي للخلاء بين يدي الله عز وجل .
وروى ابن ماجه بإسناد صحيح والحاكم وابن حبان وصححاه مرفوعاً : ﴿ استقيموا ولن تحصوا أعمالكم ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ﴾ وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه مرفوعاً : ﴿ من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات ﴾ .
 
5-   أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : نواظب على السواك عند كل وضوء وعند كل صلاة ، وقد بلغنا عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه احتاج إلى سواك وقت الوضوء فلم يجده ، فبذل فيه نحو دينار حتى تسوك به ولم يتركه في وضوء ، فاستكثر بعض الناس بذل ذلك المال في سواك فقال : إن الدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، فماذا يكون جوابي إذا قيل لي لم تركت سنة نبيي ولم تبذل في تحصيلها ما خصك الله به من جناح البعوضة .
فلازم يا أخي السنة المحمدية لتجني ثمرة ثوابها في الآخرة ، فإن لكل سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم درجة في الجنة لا تنال إلا بفعل تلك السنة ، ومن قال من المتهورين : هذه سنة يجوز لنا تركها يقال له يوم القيامة : وهذه درجة يجوز حرمانك منها .
وقليل العمل مع الأدب خير من كثير العمل من غير أدب .
وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه يقول لقراء القرآن : إياكم والغيبة والتكلم بالكلام الفاحش ثم تتلون القرآن ، فإن حكم ذلك حكم من مس بألفاظ القرآن القذر ولا شك في كفره .
وقال الفضيل بن عياض وسفيان الثوري رضي الله عنهما : قد صار القراء يتفكهون في هذا الزمان بالغيبة وتنقيص بعضهم بعضاً فعظم يا أخي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم واستغفر الله من استهانتك بتركها فإنك لو صرحت بالاستهانة كفرت ، وحكم الباطن عند الله تعالى في ذلك حكم الظاهر ، وروى البخاري وغيره مرفوعاً : ﴿ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ﴾ وفي رواية مسلم : ﴿ عند كل صلاة ﴾ ورواية النسائي وابن ماجه وابن حبان : ﴿ لأمرتهم بالسواك مع الوضوء وعند كل صلاة ﴾ وروى أبو نعيم مرفوعاً بإسناد جيد ﴿ لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلي من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك ﴾ .  
/*/*/*/*/*/*/*/*/
أجوبة صوفية توجيهية في ندوة للسادة الشاذلية   
كانت الندوة في أعقاب مجلس العبادة بعد صلاة العشاء في جامع الخطبة  وجعل الإخوان يتوجهون بالأسئلة إلى شيخهم الصالح السيد محفوظ أحمد الخطيب فقال بعض الإخوان : سيدي ما هي معاملة المريد مع النفس ؟ فأجاب الشيخ : كن مع نفسك كما تكون مع دابتك كلما حادت عن الطريق أو خالفت ردتتها إليه أو كن مع نفسك كما تكون مع ثوبك كلما اتسخ غسلته وكلما تمزق رقعته ومعنى ذلك أن احكم عليها بالعلم في كل حركة وأرهبها بالخوف في كل خطرة ، فقال الأخ : وما هو العلم الذي نحكم به على النفس ؟ فأجاب الشيخ : هو معرفة الإنسان ما له وما عليه مما به تمام معاشه ونظام معاده ، فسأل آخر فقال سيدي : وما آداب مجالسة الناس ؟ فأجاب الشيخ : إذا جالست العوام فاحفظ ظاهرك ، وإذا جالست العلماء فاحفظ لسانك أو تكلم معهم بالروايات الصحيحة والأخبار المنقولة ، وإذا جالست الزهاد أو العباد فاذكر ثواب الطاعة ونعيم الجنة ، وإذا جالست الصديقين فاحفظ قلبك لأنهم أهل كشف وفراسة يبصرون بنور الله كما نقل عن سيدنا عثمان رضي الله عنه حينما زاره وفد وكان منهم رجل نظر إلى محاسن امرأة في الطريق فقال رضي الله عنه : إن أحدكم لتبدو آثار الزنا في وجهه ، { أو كما قال } فإذا جالست هؤلاء ففارق مال تعلم ، ولا تنتسب لما تعمل ، ثم سأل آخر فقال سيدي : ما الحلم ؟ فأجاب الشيخ : هو الصبر على الأذى وعدم العجلة بالعقوبة ثم سأله آخر عن الصبر فقال : هو أن تصبر على البلاء وعلى مرارة الطاعة وعن حلاوة المعصية ثم سأله آخر عن الشكر فقال : هو الثناء على المنعم المتفضل الوهاب بما من علينا من النعماء ، ثم استعمال جميع النعم فيما خلقت لأجله ، ثم سأله آخر عن العدل ، فقال : هو اجتناب الجور والظلم وإنصاف الناس من النفس قال : وقال بعض المفسرين العدل هو التوحيد وهو ضد الظلم ، والظلم شرك قال تعالى : ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾{لقمان:13} ، وسأل آخر عن الزهد فقال : هو عفة النفس وقلة ميلها إلى الدنيا والمشتهيات وهي في اليد وترك ما عدا الضروريات من المباحات وترك ما سوى الله يريد بذلك وجه الله ، ثم سأله آخر عن التواضع ، فقال : هو لين الجانب والتذلل للصاحب ، ثم سأله آخر عن العفو ، فقال : هو عند المقدرة بالمصافحة وعدم المؤاخذة ، ثم سأله آخر عن العفة ، فأجاب : هي بعد النفس عن الدناءة والطمع وعن كل ما يشين ، ثم سأله آخر عن الجود ، فأجاب هو أن تجود بالموجود وهو الكرم المحمود وهو مقام التوسط قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾{الفرقان :67} وقد قيل : لا سرف في خير ولا خير في سرف ومعنى ذلك صرف ما ينبغي فيما ينبغي كما ينبغي ، ثم سأله آخرعن الشجاعة ، فأجاب : هي صفة وسط بين الجبن والتهور أو بين الخوف والحمق .
نقلها الأخ الحاج محمد عبد الكريم الوليدي
عن مجلة المسلم سنة 1377هـ بتصرف  
/*/*/*/*/*/*/*/*/
إثراء اللغة العربية بأشعار الصوفية   
لا ينكر باحث ضليع في اللغة العربية وفنونها أن الشعر الصوفي مشتمل على تلك الفنون جميعها، وهذه حقيقة يسلم بها كل من فقه اللغة والبلاغة وتمكن منها حتى أنه يستطيع من خلال أشعارهم أن يستشهد على كل قاعدة لغوية أو بلاغية بشاهدٍ من أقوالهم الشعرية، فكأنه جمعت لهم اللغة والبلاغة معاً وكأنهم ملكوا التصرف بتلك القواعد من خلال تلك الإشراقات الروحية والفكرية والتي انعكست على ألسنتهم تصوغ معاني المواجيد بصياغات أدبية كأنها من وحي البيان المنزَّل.
وإذا كان أعذب الشعر أكذبه عند أدعياء المحبة المعاصرين أو أصحاب مدرسة الحب العذري المجازي فكيف تكون عذوبة أشعارِهم عند أصحاب الذوق السليم وهم الذين تساموا وارتقوا عن الحب المجازي إلى الحب الحقيقي ودخلوا للتحقق بجميع حقائقه الوجدانية من أوسع أبوابه.
ولو أن أساتذة اللغة العربية المتخصصين أقبلوا على دراسة قصائدهم وأشعارهم الدراسة الأدبية لاستخرجوا من بحار تلك القصائد أبدع تراث لغوي وبلاغي يكون إثراء للغة العربية وقياماً بحق هذه اللغة على أبنائها والتي هي حياتهم ووجودهم بين أمم الأرض.
- ومن خلال معرفة المفهوم الحقيقي للأدب العربي والذي يعني التعبير الصادق عن المشاعر أو التصوير الرائع للوجدانات بواسطة الألفاظ والكلمات المتآلفة المترابطة وزناً مقفى أو نثراً مسجوعاً أو مرسلاً ندرك قيمة الشعر الصوفي الأدبية.
فما من حرف من حروف اللغة العربية المعجزة إلا ونال عندهم الحظ الأكبر والأوفر عندما جعلوه قافية ورَوِيَ قصائدهم المطولة والتي لا نجد نظائرها عند غيرهم إلا على وجه الإيجاز والاختصار.
فابن الفارض مثلاً في قصيدة:
سائحة الأظعان يطوي البيد طيْ منعماً عرِّج على كثبان طي
أتى بقافية الياء الساكنة وجعل الروي واحداً في تلك الأبيات الكثيرة مع الاختزان والتضمين اللغوي والبلاغي معاً مما يعتبر بحق لوحة لغوية وبلاغية فريدة من نوعها في هذا الباب على مر العصور.
وكأن اللغة العربية مع سعتها وشمولها كانت ضيقة أمام مواجيدهم مما أحوجهم إلى أن يسلكوا مسلك المجاز العقلي والمرسل بأقسامهما وأن لا يدعوا وجهاً من وجوه الاستعارات إلا ويضمنوه أشعارهم مما جعلها تحمل وجوهاً من المعاني الكثيرة والمتعددة والتي تجعل لكل باحث في فن من فنون اللغة والبلاغة نصيباً في الذوق الأدبي على حسب درجته وبلوغه ونضجه وكماله.
فعندما يصل إنسان ما إلى درجة المتكلم وذوقه ويجد مثل ما كان يجد فإنه بالطبع سيذوق مذاقه ويعلم مراده وإلا فسيبقى المعنى في قلب الشاعر وسيكون تفسيرنا لكلامه من قبيل التخرصات والظنون أو مقتصراً على ظاهر اللفظ من غير إدراك حقيقته ومعناه وذلك لأن شعرهم يمثل مدرسة فكرية مستقلة لها مبادئها وأسسها وصيغها الخاصة بها والتي تبقيها متميزة عن المدارس الفكرية الأخرى فشعرهم يتضمن آراءهم الدينية عقيدية وفقهية سلوكية فكل من لم يدخل مدرستهم ويعلم مبادئهم وأسسهم سيبقى في الجانب الآخر متنكراً لقيمة هذا الشعر وقدره الفني الإبداعي ولأصحابه عباقرة الإبداع البياني.
ومما زاده رونقاً وسمواً أن القائلين له كانوا متجردين عن المطامع الدنيوية وعن التزلف للأمراء والملوك فلم يكن شعرهم بقصد الاستجداء وإنما جعلوه مظهراً من مظاهر أداء رسالة يحملونها وأنهم مؤتمنون على أداءها بصدق وأمانة للأجيال من بعدهم تورثهم السمو الروحي والرسم الخلقي واللسان الأدبي البياني مما يؤهل سامعيه وقارئيه إلى الإمامة الكبرى للوجود الإمكاني من خلال انطواء الكل في مشاهدهم لتجليات ونفحات أسماء الله تعالى وصفاته.
فشعرهم وإن تعددت أساليبه إلا أن يلتقي بقواسم مشتركة بين المتقدمين والمتأخرين لاتحاد المفهوم العقائدي والفكري فيما بينهم على ممر الأزمنة كما قال أحدهم:
عباراتنا شتى وحسنك واحد وكلٌ إلى ذاك الجمال يشير
وقابلوا بشعرهم هذا والذي حفظوا به للأجيال مبادئهم، المدارس الفكرية الأخرى والتي جعلت من الشعر سوراً لمعتقداتها وأفكارها كالفلاسفة والمعتزلة والخوارج والشيعة وغيرهم.
ومثلوا لنا بأشعارهم الجانب الروحي من الدين وبثوا فيه أسرار أرواحهم فكان مشتملاً على الزهد والحكمة والوعظ من جهة وعلى المحبة والعشق والاعتبار الوجودي من جهة أخرى.
وإن أساتذة اللغة العربية المعاصرين والذين درسوا أشعار الصوفية دراسة أدبية أعجبوا أيما إعجاب بذلك المستوى الذوقي الرفيع ورأوا في تلك الدواوين الشعرية المطبوعة والمخطوطة كنزاً من كنوز الأدب العربي والذي تفتخر به الأمة العربية على غيرها من الأمم خصوصاً عندما رأوا المستشرقين مهتمين وأيما اهتمام بدراسة تلك القصائد وفك رموزها وألغازها والوصول إلى حقائقها والتي كان لها الأثر الكبير في أوروبا في العصر الوسيط وخاصة في اتجاهات بعض المفكرين والأدباء الغربيين.
ونذكر منهم الفيلسوف الإسباني رامون 1235/1315م والفيلسوف خوليان ريبيرا والمستشرق المشهور أسين بلاثيوس.
ولقد قام الأستاذ الدكتور عبد الكريم اليافي بدراسات موسعة عن الشعر الصوفي وأثره ودراسة رجاله في كتابه (دراسات فنية في الأدب العربي) وذكر شواهد كثيرة في الرمز الصوفي وأعجب بها كثيراً.
وكذلك الأستاذ الدكتور /علي صافي حسين/ في كتابه (الشعر الصوفي).
وكذلك الأستاذ الدكتور /شكري فيصل/ في محاضرات نصوص الدول وأعجبني فيها قوله: (إن بعض المؤثرات الشعرية ظلت تسمو على كونها في حكم الانحدار ومن أبرزها الشعر الصوفي).
ويقوم حالياً الأستاذ الدكتور /أسعد علي/ في محاضراته ومؤلفاته باهتمام ةتأثر بالغين بدراسة التصوف نثره ونظمه وإبراز الوجوه الإبداعية لطلاب كليات الأدب العربي.
ولهؤلاء جميعاً الشكر على ما بذلوه من محاولات لإظهار هذا المخزون المكنون من تلك اللآلئ وإخراجها من أصدافها وإبرازها بثوبها الحقيقي الموشى بجميع الألونة الزاهية حتى تكون مواكبة للتقدم الحضاري والإبداعي الكوني عند أمم الأرض كلها لأن الحضارة حق مشترك لجميع تلك الأمم:
الكشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقاً ومغارباً
وإن القادرين على العطاء البياني والدفاع عن الحقيقة المشوّهة لدى البعض والمدفونة عند آخرين يُعتبرون إذا حَجَبوا أنوار تلك الشموس الفكرية عن أبناء المجتمعات من حولهم آثمون إثم من بقي منهم في الظلام الفكري الدامس لأنه ميت في صورة حي لم تنفخ روح الحياة الحقيقية في قلبه وفكره من العلماء الأحياء في الحياة أولئك هم الذين تنعموا بشمس المعرفة واستأثروا بها على غيرهم من بني الإنسان فعاشوا أحياء بين الموتى، لم يُعرف قدَرُهم عند أحد من أهل عصرهم لأنهم جهلوا قدر الإنسانية المعذبة وحقوق عصرهم الذي يعيشون فيه. 
منقول للفائدة


Add a Comment

اضيف في 02 محرم, 1429 06:40 ص , من قبل zaetawi
من المملكة العربية السعودية said:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخي في الله
جزاك الله خير الجزاء بما تكتب في مدوناتك لتفيد به المسلمين وجعله في ميزان حسناتك انه سميع مجيب

وبحلول العام الهجري الجديد نرجو الله ان يثبتنا على دينه ويغفر لنا خطايانا ويجمعنا على كلمة الاسلام


وكــــــل عام وانتم بخير

اخوكم== ابو جاسم ===

اضيف في 13 رجب, 1432 02:37 م , من قبل acai berry said:

I can see that you are putting a lots of efforts into your blog. Keep posting the good work.Some really helpful information in there. Bookmarked. Nice to see your site. Thanks!

اضيف في 13 رجب, 1432 02:40 م , من قبل vimax said:

I thought it was going to be some boring old post, but it really compensated for my time. I will post a link to this page on my blog. I am sure my visitors will find that very useful

اضيف في 13 رجب, 1432 02:41 م , من قبل vigrx plus said:

Wow, this was a really great post. In theory I'd like to write like this also - taking time and real effort to make a good article... but what can I say... I procrastinate alot and never seem to get something done.



Add a Comment

<<Home